ثمة ألم لا تسعه اللغة. لا تسعه الأحرف ولا تحتمله الكلمات، ألم يسكن ما قبل الكلام، في ذلك المكان الصامت من الروح حيث لا يصل الوصف ولا تبلغه الشكوى. تفتح فمك لتقوله فيتهاوى على لسانك ناقصاً، مبتوراً، كمن يحاول أن يحمل الماء بيديه فلا يصل منه إلا ما علق بين أصابعه.
هذا ألم لا يُشرح. يُعاش. ومن لم يعشه لن يفهمه، ومن عاشه لا يحتاج إلى شرح.
الألم العميق لا يطرق الباب. لا يستأذن. يأتي كمن يحمل مفتاح البيت من الأزل، يدخل بهدوء مرعب، يضع أمتعته، وينام في أعمق غرفة في الروح. وبمرور السنين تنسى أن ثمة بيتاً بدونه. تنسى كيف كان الصمت قبل أن يصبح ثقيلاً. تنسى نفسك قبل أن تصبح هذه النسخة التي تحمله وتمشي.
والأخطر من ذلك كله، أنك تبدأ تعتقد أن هذا أنت. أن هذا الثقل هو طبيعتك لا جرحك. أن هذا الظلام هو لونك لا غيابك عن النور. وحين تعتقد ذلك تتوقف عن البحث عن أي شيء آخر، لأنك لا تبحث عن شيء تظن أنك لا تستحقه أو أنه غير موجود أصلاً.
هناك طفل بداخلنا وقف ذات يوم أمام جرح أكبر منه. لم يكن يملك أدوات تحمّله، لم يكن يملك حتى كلمات تسمّيه. فصمت. وصمت الطفل حين يصمت داخلنا ليس هدوءاً، هو دفن حي. هو أن يبتلع الطفل صرخته ويضعها في مكان ما من الصدر، فتتكلس هناك، وتصبح مع الوقت جزءاً لا يُرى لكنه يُحسّ في كل شيء، في طريقة أنفاسك، في طريقة نومك، في طريقة نظرتك إلى الناس، وفي طريقة هروبك منهم.
ذلك الطفل الذي صمت مرة، يصرخ الآن في كل اتجاه لا تراه عيناك.
لماذا؟
ثلاثة أحرف تحمل ثقل العمر كله. ليست سؤالاً عن سبب، هي الجرح نفسه حين يتكلم. هي الروح وهي تنظر إلى ما حدث لها ولا تجد تفسيراً يكفي، لا تجد معنىً يستحق كل هذا الألم. لماذا هي الصرخة التي لم تخرج في وقتها فصارت تسكن الحلق إلى الأبد، لا تخرج ولا تنزل، معلقة هناك بين الكتمان والعويل.
والإجابات المُعلَّبة التي يقدمها الناس لا تسد هذا الفراغ. كلامهم يمر من فوق الجرح ولا يلمسه. لأن الجرح الحقيقي لا يُداوى بالحكمة، يحتاج شيئاً أعمق من الحكمة وأصدق من الكلام.
العزلة التي يصنعها الألم ليست عزلة المكان. تجلس وسط الناس وبينك وبينهم مسافة لا تُقاس، تسمعهم يضحكون فيصلك صوت الضحكة كمن يسمع موسيقى من خلف جدار سميك، يصله الصوت لكنه لا يشعر بالموسيقى. تبتسم لأن هذا ما يُفترض أن تفعله، وابتسامتك تعبر من فوق كل شيء، من فوق الألم ومن فوق الوحدة ومن فوق ذلك الصراخ الداخلي الذي لا يسمعه أحد.
وأشد ما في تلك العزلة إيلاماً، ليس البُعد عن الآخرين، بل البُعد عن نفسك. أن تنظر في المرآة وتحدق في الوجه الذي أمامك وتشعر أنك لا تعرف من هذا. أن الإنسان الذي كان يجب أن يكون أنت غائب، وأن ما بقي هو مجرد غلاف يتحرك ويتكلم ويأكل وينام، لكنه لا يشعر أنه حي بالمعنى الذي يستحق كلمة “حياة”.
والبُعد عن الله. ذلك البُعد الذي لا يشبه أي بُعد آخر.
لم تبتعد رفضاً. لم تبتعد كفراً. ابتعدت إرهاقاً من الانتظار. ابتعدت لأن الروح رفعت يديها مرات ومرات فلم تحسّ أن شيئاً يمسّها، فتركتها تسقط ببطء. وهذا النوع من البُعد هو أوجع الأنواع، لأنك لا تريد أن تكون بعيداً، لكنك لا تملك القوة على القرب، ولا تملك القوة على الاعتراف بأنك لا تملك القوة.
تبقى في المنتصف. لا هنا ولا هناك. في تلك المنطقة الرمادية التي لا اسم لها، حيث الإيمان موجود لكنه مخنوق، والشوق موجود لكنه مكسور، والدعاء يخرج أحياناً لكنه يخرج كمن يرمي حجراً في بئر ولا يسمع صوت سقوطه.
الألم حين يتأصّل يغيّر طريقة رؤيتك للكون كله. تنظر إلى الأشياء الجميلة وثمة شيء فيك يرفضها، لا يصدقها، يقول لك في الخفاء أنها ليست لك، أو أنها مؤقتة، أو أنها فخ. ذلك الجزء منك الذي تعلّم على مدى سنوات طويلة أن يحمي نفسه بالتوقع السيئ. تعلّم أن الأمل مقدمة للخسارة، فقطع الأمل قبل أن تأتي الخسارة. ظن أنه يحميك وهو يقتلك ببطء.
ذلك الطفل الداخلي الذي يقف مشلولاً أمام ألمه، لا يعرف ماذا يفعل مع الحياة ولا في الحياة، طفل وحيد في فضاء لا نهاية له من الأسئلة التي لم يجب عنها أحد.
هذا الطفل لم يُولد بهذا الشلل. كان يركض يوماً. كان يضحك ويصرخ ويريد. كان يمد يديه نحو الدفء كما يفعل كل طفل. لكن الدفء لم يأتِ، أو أتى ناقصاً، أو أتى ثم سُحب فجأة بلا سبب يفهمه. فتعلّم الطفل أن يسحب هو يديه قبل أن تُسحب منه. تعلّم أن يكون المسافة قبل أن يتألم من المسافة.
وصار هذا هو. صارت هذه الحماية التي بناها طفل خائف هي القفص الذي يعيش فيه الإنسان الكبير.
لا أحد يعلّمنا كيف نحمل ألماً بهذا الحجم. لا أحد يُعدّنا له. ثم حين يأتي نُتروَك وحدنا معه كمن يُلقَى في بحر ولم يتعلم السباحة يوماً، فلا يملك إلا أن يتخبّط. وتخبّطنا نسمّيه فشلاً، ونسمّيه ضعفاً، ونحكم به على أنفسنا حكماً لا يرحم.
والأقسى في الأمر أن الجرح نفسه يأكل منك القدرة على الشفاء منه. يُنهكك إلى الحد الذي لا تملك فيه طاقة تمد بها يدك نحو أي شيء آخر. تعيش في تلك الدائرة المُغلقة حيث الألم يُنتج الإرهاق، والإرهاق يُنتج العجز، والعجز يُنتج مزيداً من الألم.
ولا يزال السؤال معلقاً. لماذا؟
ربما لأن بعض الجروح لا إجابة لها تكفي. ربما لأن بعض الأسئلة لم تُطرح أصلاً لتُجاب، بل طُرحت لأن الروح لا تملك إلا أن تسأل حين تعجز عن كل شيء آخر. والسؤال نفسه، رغم وجعه، دليلٌ على أن ثمة شيئاً فيك لم يمت. لأن الميت لا يسأل.
وذلك الطفل الذي لا يزال يقف هناك في داخلك، وحيداً، حائراً، غاضباً، لا يعرف ماذا يفعل في هذا الوجود الثقيل، ذلك الطفل لا يزال حياً. ولهذا لا يزال حاضراً.. في الوطن الداخلي.
لقراءة مقال "الوطن الداخلي" إضغط هنا
