مساحة بواسطة: محمد عبد الفتاح
    

الفسيفساء الإنسانية



ثمةَ سرٌّ يعرفه صانع الفسيفساء وحده؛ أن اللوحة التي يقف أمامها المتفرج مأخوذاً، مسحوراً، تلك التي تسرق أنفاسه وتُعلّق ناظريه في مكانه كمن رأى معجزة — ليست في حقيقتها سوى جمع من الجروح المرتبة بعناية. كسور خزفية، وحجارة مشقوقة، وزجاج مكسور تحت مطرقة الحِرَفي، وجدت في تلاصقها ما لم تجده في اكتمالها.
وهكذا الإنسان.

نحن لا نولد لوحاتٍ، نحن نولد طيناً خاماً وصخراً أصمّاً. ثم تأتي الحياة — بلا رحمة ولا استئذان — بمطرقتها الثقيلة فتكسر، وتشقق، وتُفتّت. نسميها بأسماء شتى: خسارة، فراق، خيانة، فشل، عار، حزن لا اسم له. ونظن في لحظة التكسّر أن شيئاً فينا قد مات إلى غير رجعة. غير أن ما لا يراه المكسور في لحظة انكساره هو أن يدَ الحياة ذاتها تعمل في الخفاء؛ تُعيد ترتيب الشظايا، تضع كل كسر في موضعه الوحيد الذي يناسبه في الكون، وتربط بين الحواف المتشققة بخيوط من التجربة لا ترى بالعين.
الإنسان الكامل — ذلك الذي لم تمسّه يد الانكسار — ليس لوحة، هو صخرة فحسب. صلدة، ناصعة، وعديمة المعنى.

يقول الفلاسفة إن الهوية ليست جوهراً ثابتاً نحمله كما نحمل اسمنا، بل هي عملية دائمة التشكّل، مفاوضة لا تنتهي بين ما كنا وما أصابنا وما أردنا أن نكون. هيراقليطس رأى في النهر الذي لا يمكن أن تنزل فيه مرتين صورةً للوجود المتحول؛ لكنني أراه أيضاً صورةً للإنسان الذي يحمل في داخله أنهاراً متعددة من التجارب تسير جنباً إلى جنب دون أن تختلط ودون أن تتوحد. وفي هذا التعدد الداخلي المُضمَر تكمن ثروته الحقيقية.
أما نيتشه فقد فهم — في غرفته الموحشة ومرضه الذي لا يفارقه — أن العظمة لا تنبثق من غياب الألم بل من استيعابه. “ما لا يقتلني يُقوّيني” ليست نبرة متغطرسة، بل هي الاعتراف الهادئ بأن الألم يزرع في الروح ما لا يستطيع الرخاء زرعه: طبقات، وأعماق، وقدرة على فهم الآخر المكسور.

والجميل في استعارة الفسيفساء أنها تُعلّمنا شيئاً لا تُعلّمه أي استعارة أخرى عن الإنسان؛ أن كل قطعة فيها محتفظة بهويتها الأولى. الزجاجة الخضراء المكسورة لا تزال خضراء، والحجر الأزرق لا يزال أزرق. الانكسار لم يمحُ ما كانته كل قطعة، بل أضاف إليها بُعداً جديداً: الانتماء إلى كلٍّ أكبر منها، واكتساب معنىً لم يكن ممكناً في حالة الاكتمال.
كذلك الإنسان في علاقاته وتجاربه وحبوبه وخسائره. الطفل الذي كان لا يزال يسكن في مكانٍ ما من الرجل الكهل. والحب الأول الذي لم يُكتمل لا يزال يلوّن كيف ننظر إلى الأفق عند الغروب. والخسارة التي ظننّا أنها أتت على كل شيء صارت هي التي تمنحنا القدرة على الجلوس بهدوء بجانب من يخسر، دون أن نُسرع بالكلمات، لأننا نعرف.
نعرف.

لكن — وهنا يكمن العبء الحقيقي لاستعارتنا — اللوحة الفسيفسائية تحتاج يداً تُرتّب. والسؤال الذي يُؤرق الفيلسوف والإنسان على حدٍّ سواء: من يُرتّب شظايانا؟ هل ثمة يد كونية تضع الكسور في مكانها الصحيح كما يفعل الحرفي، أم أن الإنسان مُلقى في عراء وجوده مع شظاياه وحده، مسؤولٌ عن لوحته بالكامل؟
الإجابة الوجودية الشجاعة — وإن كانت مُثقلة — هي الثانية. أنت الحرفي ولوحتك معاً في آنٍ واحد. تُكسَر وترتّب ما تكسّر. تسقط وتُقرر — في تلك اللحظة المعلّقة بين السقوط والأرض — في أي اتجاه ستضع شظيتك التالية. ولعل في هذا المعنى يكمن ما سمّاه الوجوديون “الحرية المُرعبة”؛ لا لأن الحياة تُخيّرك بين الجيد والأجود، بل لأنها تضعك في مواجهة أنقاض ذاتك وتقول: افعل شيئاً.

ثمةَ ثقافات فهمت هذا الحكمة قبل أن تأتي الفلسفة لتُصنّفه. اليابانيون يمارسون فن الكينتسوغي؛ إصلاح الخزف المكسور بالذهب، جاعلين من الشق خطاً مُذهَّباً يُضيف للقطعة لا يطرح منها. الفكرة عميقة حدَّ الدوار: لا تُخبئ كسرك، لا تتظاهر أنك لم تنكسر، بل اجعل من خط الانكسار أجمل ما فيك وأكثره إضاءةً.
الإنسان الذي يخجل من شظاياه يظل حياته يضع اللاصق الشفاف فوق كسوره ويُقنع نفسه أن أحداً لا يرى. أما الإنسان الذي يسكب الذهب في شقوقه فيصير — ببطء ومع الوجع — أثراً فنياً فريداً لا يُقلَّد؛ لأن لا أحد آخر في الكون انكسر بالطريقة ذاتها.

في النهاية، ربما الحكمة الكاملة التي تُوحي بها لوحة الفسيفساء هي أن نُوقف مطاردتنا المُضنية للاكتمال. ذلك الوهم القديم الذي يُعلّمنا إياه الطفولة ويُديم وهمه المجتمع؛ أن ثمة نسخةً مكتملةً منك في مكانٍ ما تنتظرك لو فعلت الشيء الصحيح. الحقيقة أن الاكتمال هو الموت الهادئ للروح. اللوحة المكتملة تُعلَّق على الجدار وتنتهي. أما الروح الحية فهي تلك التي لا تزال في طور التشكّل، يُضاف إليها كسر جديد بين الحين والآخر، ويجد ذلك الكسر مكانه بين الشظايا السابقة ليُغيّر — بهدوء وحتمية — لون اللوحة كلها.
كن مكسوراً. كن متعدداً. كن متناقضاً. كن ما لا تستطيع أن تشرحه بجملة واحدة.
كن فسيفساء.

أحدث أقدم