مقدمة: عندما يفقد العالم معناه
في لحظة ما من حياة كل إنسان، يقف أمام سؤال محيّر: ما معنى كل هذا؟ لماذا نستيقظ كل صباح، نذهب إلى العمل، نأكل، نتحدث، ثم ننام لنكرر الدورة ذاتها؟ هذا السؤال البسيط في ظاهره، العميق في جوهره، هو ما دفع مجموعة من الكتّاب والفلاسفة في القرن العشرين إلى استكشاف ما يُعرف بفلسفة العبث، وتجسيدها في أدب اللامعقول.
العبث ليس مجرد فكرة فلسفية مجردة، بل هو تجربة إنسانية حية نختبرها جميعاً بدرجات متفاوتة. إنه ذلك الشعور الغريب الذي ينتابنا حين ندرك أن الكون لا يهتم بوجودنا، وأن البحث عن معنى نهائي للحياة قد يكون بحد ذاته محاولة عبثية.
كافكا: النبي الأول للعبث
قبل أن تتبلور فلسفة العبث كمذهب واضح، كان فرانز كافكا يكتب نصوصاً تجسّد جوهرها بطريقة مذهلة. في روايته الشهيرة “المسخ”، يستيقظ غريغور سامسا ليجد نفسه قد تحوّل إلى حشرة ضخمة، دون أي تفسير منطقي أو سبب واضح. هذا التحول المفاجئ وغير المبرر هو جوهر العبث الكافكاوي.
ما يميز كافكا هو أن شخصياته لا تتساءل كثيراً عن “لماذا” حدث ما حدث، بل تحاول التأقلم مع الواقع الجديد اللامعقول. غريغور لا يبحث عن علاج لحالته أو تفسير لتحوله، بل يقلق بشأن كيفية الذهاب إلى عمله وإعالة عائلته. هذه الاستجابة العملية لموقف لا عقلاني تماماً تكشف عن رؤية عميقة للحالة الإنسانية.
في “المحاكمة”، يُعتقل جوزيف ك. ويُحاكم دون أن يعرف التهمة الموجهة إليه. يقضي الرواية بأكملها في محاولة فهم النظام القضائي الغامض الذي يحاكمه، لكنه لا يصل إلى أي إجابة. القلعة، المحكمة، البيروقراطية الضخمة التي تحكم حياتنا، كلها رموز لعالم لا يمكن فهمه، عالم يعمل وفق قواعد مبهمة لا يمكن للفرد الوصول إليها أو استيعابها.
ألبير كامو: فيلسوف العبث
إذا كان كافكا قد رسم صوراً حية للعبث، فإن ألبير كامو هو من منحه إطاراً فلسفياً واضحاً. في مقالته الشهيرة “أسطورة سيزيف”، يقدم كامو تعريفاً دقيقاً للعبث: إنه التصادم بين حاجة الإنسان الملحّة للمعنى وصمت الكون المطبق.
سيزيف، ذلك البطل الأسطوري المحكوم عليه بدفع صخرة إلى قمة جبل لتسقط مجدداً، ليعيد الكرّة إلى الأبد، هو رمز الإنسان الحديث. لكن كامو ينهي مقالته بجملة صادمة: “علينا أن نتخيل سيزيف سعيداً”. كيف يمكن لإنسان محكوم بمهمة لا طائل منها أن يكون سعيداً؟
الإجابة عند كامو هي في التمرد. التمرد ليس ضد الحياة أو المجتمع، بل هو تمرد ضد فكرة أن الحياة تحتاج إلى معنى خارجي كي تستحق العيش. سيزيف سعيد لأنه يملك صخرته، لأنه يقبل مصيره ويختار المواصلة رغم معرفته بعبثية مهمته.
في روايته “الغريب”، يجسّد كامو هذه الفلسفة من خلال شخصية ميرسو، الرجل الذي يبدو غريباً عن العالم وعن نفسه. ميرسو لا يبكي في جنازة أمه، يقتل رجلاً عربياً على الشاطئ دون سبب واضح سوى حرارة الشمس، ويواجه الإعدام بلامبالاة تامة. لكن في اللحظات الأخيرة، يختبر ميرسو لحظة وضوح وجودي: يدرك أن العالم “يشبهه بطريقة أخوية”، وأنه كان سعيداً ولا يزال.
صمويل بيكيت: المسرح العبثي
على خشبة المسرح، لم يكن أحد أكثر جرأة من صمويل بيكيت في تجسيد فلسفة العبث. مسرحيته الأشهر “في انتظار غودو” هي تحفة في التعبير عن الحالة الإنسانية من خلال البساطة المطلقة.
شخصيتان، فلاديمير وإستراغون، ينتظران تحت شجرة شخصاً يُدعى غودو. لا نعرف من هو غودو، ولا لماذا ينتظرانه، وهو لا يأتي أبداً. طوال المسرحية، يتحدثان، يتجادلان، يفكران في المغادرة لكنهما لا يفعلان، ثم يقرران الانتظار يوماً آخر.
ما يجعل “في انتظار غودو” عملاً عبثياً بامتياز هو أنه لا يحدث فيها شيء تقريباً، ومع ذلك فهي تعكس الحياة بدقة مذهلة. كم من الوقت نقضيه في انتظار شيء ما، حدث ما، شخص ما، أن يتغير شيء ما؟ الانتظار هو حالتنا الوجودية الدائمة.
في مسرحية أخرى بعنوان “نهاية اللعبة”، يقدم بيكيت صورة أكثر قتامة: أربع شخصيات محصورة في غرفة، خارجها عالم ربما يكون قد انتهى. هام، الشخصية الرئيسية، أعمى ومشلول، يجلس على كرسي متحرك ويحكم مملكته الصغيرة المحتضرة. المسرحية تدور في دوائر، والشخصيات تكرر أفعالها وحواراتها في نمط لا نهائي.
يوجين يونسكو: اللغة والعبث
بينما ركز بيكيت على الفعل واللافعل، اهتم يونسكو بتفكيك اللغة نفسها. في مسرحيته “المغنية الصلعاء”، تجلس عائلتان في غرفة معيشة وتتبادلان حوارات تبدو طبيعية في البداية، لكنها سرعان ما تنزلق إلى هراء تام.
الشخصيات تتحدث بجمل تبدو منطقية من حيث التركيب النحوي، لكنها خالية تماماً من المعنى. يكتشف السيد والسيدة مارتن، بعد محادثة طويلة، أنهما متزوجان ويعيشان في نفس المنزل، لكنهما لم يتعرفا على بعضهما البعض. اللغة، هذه الأداة التي نفترض أنها تربطنا ببعضنا البعض، تصبح عند يونسكو حاجزاً يفصلنا.
في “وحيد القرن”، يشهد بيرنجيه، الموظف البسيط، تحول سكان مدينته واحداً تلو الآخر إلى وحيدي قرن. التحول يبدأ كحادثة غريبة، ثم يصبح وباءً، وأخيراً يصبح الوضع الطبيعي. الجميع يتحولون ويصبحون جزءاً من القطيع، بينما يبقى بيرنجيه وحيداً، آخر إنسان في مدينة من الوحوش.
المسرحية، المكتوبة في سياق صعود الفاشية والشيوعية، تطرح سؤالاً مخيفاً: ماذا لو كان الجنون هو الوضع الطبيعي؟ ماذا لو كان الشخص العاقل الوحيد في عالم مجنون هو من يبدو مجنوناً؟
العبث في الأدب العربي
لم تكن فلسفة العبث حكراً على الأدب الغربي. في العالم العربي، عبّر كتّاب عديدون عن تجارب عبثية بطرق مختلفة، وإن لم يستخدموا دائماً المصطلح ذاته.
توفيق الحكيم، في مسرحيته “يا طالع الشجرة”، يقدم موقفاً عبثياً بامتياز: رجل يتسلق شجرة ويرفض النزول، والمجتمع بأكمله يتورط في محاولة إقناعه بالنزول. الموقف بسيط لكنه يكشف عن عبثية البيروقراطية والمنطق الاجتماعي.
يوسف إدريس، في قصصه القصيرة، خاصة في مجموعة “أرخص ليالي”، يرسم صوراً للحياة اليومية المصرية تكشف عن العبث الكامن في التفاصيل الصغيرة. شخصياته غالباً ما تكون محاصرة في أوضاع لا مخرج منها، تكرر أفعالاً بلا طائل، في انتظار تغيير لا يأتي أبداً.
حتى نجيب محفوظ، في روايته “الحرافيش”، يقدم رؤية دورية للتاريخ حيث تتكرر نفس الأحداث عبر الأجيال، وكأن الإنسانية محكومة بالدوران في حلقة مفرغة من الصعود والسقوط.
لماذا يهمنا العبث اليوم؟
قد يبدو الانشغال بالعبث واللامعقول ترفاً فكرياً أو عدمية سلبية، لكن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً. أدب اللامعقول لا يدعو إلى اليأس، بل إلى نوع خاص من الحرية.
عندما ندرك أن الحياة ليس لها معنى محدد مسبقاً، نصبح أحراراً في خلق معانينا الخاصة. عندما نقبل عبثية الوجود، نتحرر من القلق المستمر بشأن ما إذا كنا “نفعل الشيء الصحيح” وفقاً لمعيار كوني ما.
في عالمنا المعاصر، حيث القلق الوجودي أصبح وباءً، حيث نبحث عن معنى في وظائف لا تشبعنا، وعلاقات لا تملؤنا، وإنجازات تبدو فارغة بعد تحقيقها، قد يكون أدب اللامعقول هو أكثر ما نحتاجه.
إنه يذكرنا بأن الشعور بالعبث ليس خللاً فينا، بل هو جزء من التجربة الإنسانية. إنه يعلمنا أن نضحك في وجه اللامعقول، أن نواصل دفع الصخرة رغم علمنا بأنها ستسقط، وأن نجد فرحاً في الفعل نفسه لا في النتيجة.
خاتمة: احتفاء بالعبث
في النهاية، ربما يكون الدرس الأهم من أدب اللامعقول هو أن الحياة لا تحتاج إلى معنى كبير لتستحق العيش. المعنى ليس شيئاً نكتشفه، بل شيء نصنعه لحظة بلحظة، من خلال اختياراتنا وأفعالنا وعلاقاتنا.
كافكا علمنا أن العالم غامض ولا يمكن فهمه تماماً، وأن هذا لا بأس به. كامو أخبرنا أن نتمرد ونعيش بشغف رغم العبث. بيكيت أظهر لنا أن الانتظار نفسه يمكن أن يكون شكلاً من أشكال الوجود. يونسكو فكك اللغة ليذكرنا بأن التواصل الحقيقي أعمق من الكلمات.
العبث ليس نهاية القصة، بل بدايتها. إنه اللحظة التي ندرك فيها أننا أحرار تماماً، وأن هذه الحرية مرعبة ومبهجة في آن واحد. وربما، مثل سيزيف، علينا أن نتخيل أنفسنا سعداء، لا رغم العبث، بل بسببه.
