ثمة نوع من الفقد لا يُدرج في سجلات اللاجئين، ولا يُختم في جوازات السفر، ولا يُرثى على خرائط. هو فقد لا يسألك عنه أحد في المطار، لأنه لا يبدو على وجهك — أو ربما يبدو، لكن الناس تعلّموا ألّا يسألوا عمّا يبدو ثقيلاً جداً. إنه فقد النسخة التي كنتَها من نفسك.
كلنا نحمل بداخلنا وطناً لم يرسمه جغرافيون. وطن من لحظات بعينها: طريقة ما كنا نضحك قبل أن يُعلّمنا أحدهم أن الضحك بصوت عالٍ غير لائق. ثقة ما كنا نحملها في أجسادنا قبل أن تُحكم علينا أول مرة. حلم ما كان يسكن صدورنا قبل أن نُقنع أنفسنا — أو يُقنعنا الآخرون — أنه ترفٌ لا يليق بأمثالنا.
الغربة عن المكان موجعة، لكنها في النهاية واضحة المعالم. تعرف ما تفتقده: رائحة بيت، لهجة شارع، لون سماء في وقت محدد من السنة. أما الغربة عن نسخة سابقة من الذات، فهي أشد غموضاً وأبقى أثراً، لأنك لا تستطيع حتى أن تسمّي ما تشتاق إليه بدقة. تشعر فقط — أحياناً في الصمت قبل النوم، أحياناً وأنت بين ناس تعرفهم جيداً — بأن شيئاً ما غادر دون أن يودّع.
الفيلسوف الألماني هيراقليطس قال إننا لا نعبر النهر مرتين، لأن النهر يتغير والعابر يتغير. لكنه لم يخبرنا ماذا نفعل حين نقف على الضفة وننظر إلى المياه التي مضت، ونتساءل: أين ذهب ذلك الذي كان يعبر؟
لا أحد يخبرنا أن الحياة ستطلب منا أن نتخلى، مراراً، عن أجزاء من أنفسنا. نتخلى عنها بهدوء، أحياناً دون أن نلاحظ. يُطلب منا أن نكون “أكثر واقعية”، فنُعطّل الحالم فينا. يُصيبنا خذلان أول، فنُحكم قفل باب الثقة. تمر تجربة قسوة، فنقرر — قراراً غير مُعلن — أن نكون أقل انفتاحاً، أقل طراوة، أقل حضوراً. وفي كل مرة، نظن أننا نحمي أنفسنا. وربما كنا فعلاً. لكن التساؤل يبقى: ماذا صار لمن كنا قبل أن نحتاج إلى هذه الحماية؟
الغريب في أمر هذا الفقد أنه لا يُنتج حنيناً نظيفاً. الحنين إلى مكان له رومانسية ما، يُصنع منها شعر ويُبكى عليها في الأعياد. أما الحنين إلى نسخة سابقة من النفس، فهو أشبه بخجل مضمر — كأنك تعترف بأنك لم تحافظ على شيء كان يستحق المحافظة. تسأل نفسك: أين ضعت؟ ومتى؟ وهل كان ذلك ضرورياً؟
بعض الناس يجيبون على هذا السؤال بالإنكار: “أنا لم أتغير، فقط نضجت.” والنضج حقيقي، لكن ليس كل ما يُسمّى نضجاً هو كذلك. بعضه ليس نضجاً بل استسلام مُهذَّب. وبعضه ليس حكمة بل يأس مُرتَّب في أدراج أنيقة.
والأقسى في هذا النوع من الغربة أنك لا تستطيع العودة.
لا توجد طائرة تعود بك إلى من كنته. لا توجد وثيقة إقامة، ولا طلب لمّ شمل. النسخ التي خسرناها لا تعيش في مكان ما تنتظرنا — هي انحلّت في خلايا الزمن وصارت جزءاً من الأرضية التي نقف عليها الآن، حتى حين لا نشعر بها.
لكن ربما هذا ليس النهاية الصحيحة لهذه الفكرة.
ربما السؤال ليس كيف نعود، بل كيف نُكرّم من كنّاه حتى ونحن نتقدم. كيف نحمل في أرواحنا شيئاً من ذلك الطفل الذي كان يضحك بصوت عالٍ، من ذلك الشاب الذي كان يؤمن بأشياء كبيرة، من تلك النسخة التي لم تكن تعرف بعد أن العالم سيعاملها بهذه الطريقة — ونقول لها: أعرفك. ولم أنسك تماماً. وكان هناك شيء جميل فيك يستحق أن يُذكر.
الوطن الداخلي لا يُستعاد. لكنه يُحزَن عليه. وهذا الحزن، حين يُعاش بصدق، ليس ضعفاً — بل هو الطريقة الوحيدة التي يبقى بها من كنّاه حياً في من أصبحنا.
