فلسفة الألم في شعر محمود درويش
“أنا الألم الذي يمشي على قدمين”— محمود درويش
مدخل: الشاعر الذي جعل الجرح فلسفة
ثمة شعراء يكتبون عن الألم، وثمة شاعر واحد في كل قرن يتحوّل هو نفسه إلى ألم يكتب. محمود درويش من هذا الصنف النادر الذي لا تكفي فيه المقاربة الأدبية وحدها، بل يستوجب سؤالاً أعمق: ما طبيعة الألم الذي يسكن هذا الشعر؟ هل هو استجابة لواقع سياسي قاهر، أم أنه ينبع من قلق وجودي يخص الكائن البشري في تجلياته الأكثر عرياً؟ أم أنه يتجاوز الاثنين نحو لحظة ميتافيزيقية تطرح أسئلة ما وراء الطبيعة ذاتها؟
الإجابة السهلة — وهي ما يُردّده كثيرون — أن درويش شاعر سياسي يعبّر عن ألم شعبه المشرّد. لكن هذه الإجابة، وإن كانت صحيحة جزئياً، تظلم الشاعر وتختزل مشروعه الشعري الهائل في بُعد واحد، مثلما يصف المرء المحيط بأنه بلل الأقدام. الحقيقة أعمق وأكثر إزعاجاً: ألم درويش ظاهرة فلسفية متكاملة لا يمكن احتجازها في خانة واحدة، لأنها تعمل في آنٍ واحد على ثلاثة مستويات — السياسي والوجودي والميتافيزيقي — وتتشابك هذه المستويات في نسيج واحد لا تفصل بين طبقاته إلا لأغراض التحليل المعرفي.
أولاً: الألم السياسي — حين تتحول الجغرافيا إلى جرح
لا يمكن قراءة درويش بمعزل عن السياق التاريخي الذي ولد فيه. عام 1948 ليس مجرد رقم في سيرته الذاتية؛ إنه اللحظة التي تشقق فيها الزمن تحت قدمي طفل صغير اسمه محمود. البيت الذي هُدم، وشجرة الزيتون التي اقتُلعت، والقرية التي محاها الاسم — كل هذا يُشكّل طبقة الألم الأولى والأكثر وضوحاً في شعره.
لكن الألم السياسي عند درويش لا يسير في خط الشعر الخطابي المباشر. إنه يعمل بطريقة فريدة: يأخذ الحدث السياسي ويصهره حتى يتحول إلى استعارة كونية. فـ”المنفى” لا يعني عنده مجرد الإقامة خارج الوطن، بل يغدو حالة وجودية أصيلة. و”الاحتلال” لا يكتفي بكونه آلة عسكرية وقانونية، بل يصير اختراقاً لجوهر الهوية ذاتها. يكتب درويش في “جدارية”:
“على هذه الأرض ما يستحق الحياة”
هذه الجملة تبدأ سياسية — الأرض المحتلة، الأرض المسلوبة — لكنها تنتهي فلسفية محضة: ما الذي يستحق الحياة أصلاً؟ وهنا تبدأ المشكلة الفلسفية الحقيقية.
الألم السياسي عند درويش يحمل في طياته نقداً ضمنياً لمفهوم “الدولة” و”الهوية الوطنية” كما رسختهما الحداثة الأوروبية. فالفلسطيني في شعره ليس مجرد ضحية نظام معين، بل هو الكائن الذي وقف على الهامش من تجربة الحداثة بأسرها، وعاش مفارقتها المأساوية: أن يُقتَلع باسم “التقدم” و”الدولة الديمقراطية” و”القانون الدولي”. هنا يصبح الألم السياسي سؤالاً فلسفياً عن الشرعية والعدالة وحدود الحق في الوجود.
غير أن درويش لم يكن مريحاً للقضية السياسية تماماً. فعندما رثى أمه بقصيدة “إلى أمي” أو حين تأمّل موته في “جدارية”، كان يتخطى حدود الخطاب الوطني نحو شيء آخر يصعب تصنيفه. وهنا تبدأ الطبقة الثانية.
ثانياً: الألم الوجودي — هايدغر تحت سماء فلسطين
لو قرأ هايدغر درويش — وهو احتمال شعري مغرٍ — لعرف أن الشاعر الفلسطيني يكتب عن “الرمي في العالم” (Geworfenheit) بطريقة أكثر تجسيداً ودماً مما فعله الفيلسوف الألماني في تجريداته. فالإنسان عند هايدغر “مرمي” في العالم دون اختياره الزمان أو المكان أو الظروف. الفلسطيني عند درويش مرمي مرتين: مرة في الوجود، ومرة خارج الأرض.
الوجودية كفلسفة تقوم على تجربة أساسية: الإنسان يواجه الوجود وحيداً، مع علمه بحتمية الموت، في عالم عبثي لا يمنحه معنى جاهزاً. درويش يحيا هذه التجربة بكثافة قصوى. المنفى عنده ليس حالة جغرافية فحسب، بل هو الاستعارة الأعمق للقلق الوجودي الذي وصفه كيركيغارد: ذلك الخوف من اللاشيء الذي يسبق كل خوف محدد.
في قصيدة “على هذه الأرض” يكتب:
“لنا على هذه الأرض ما يستحق الحياة: تردد نيسان، رائحة الخبز في الفجر، آراء امرأة في الرجال، أعمال أسخيلوس، أول الحب…”
هذا الإلحاح على إيجاد ما “يستحق الحياة” هو بدقة السؤال الوجودي الكامس الذي طرحه كامو في “أسطورة سيزيف”: لماذا لا ننتحر؟ بتعبير آخر: ما الذي يجعل الوجود جديراً بالاستمرار حين يكون الكون صامتاً والعدالة غائبة والأرض مسلوبة؟ جواب درويش كامياني في روحه: نواصل لأن جمال الوجود نفسه — رائحة الخبز، تردد نيسان، أول الحب — يكفي. لكن هذا الجواب يظل هشاً، يرتجف على حافة اليأس.
والموت عند درويش هو الأفق الوجودي بامتياز. لا يكتب عنه كحدث سياسي فحسب — القتيل الفلسطيني، الشهيد — بل يكتب عنه كحقيقة وجودية شخصية. “جدارية” قصيدته الملحمية لا تُقرأ إلا من هذه الزاوية: إنها مونولوج كائن يحدق في موته الخاص بعد نوبة قلبية، ويحاول أن يفهم ما الذي يمكن قوله قبل الصمت الأبدي. ليست قصيدة شهيد، بل قصيدة إنسان واجه اللاوجود وعاد ليحكي:
“من أنا لأقول لكم ما أقول لكم؟ لستُ حجراً صقلته المياه حتى أصفيت، لستُ قصبة يحملها الريح إلى الأبد…”
هذا السؤال — “من أنا؟” — هو السؤال الوجودي بعينه. ليس سؤال الهوية الوطنية، بل سؤال الكيان في مواجهة الانعدام.
بيد أن ثمة أفقاً ثالثاً يتجاوز حتى الوجودية.
ثالثاً: الألم الميتافيزيقي — ما وراء الجرح
الميتافيزيقا في تعريفها الأصيل هي السؤال عما يتجاوز الظاهر المدرك: ما الوجود؟ ما الزمان؟ ما العلاقة بين الروح والجسد؟ ما مصدر الجمال والخير؟ وهل ثمة ما وراء المادة المحسوسة؟
درويش لا يكتب رسائل في الميتافيزيقا، لكن شعره ينطوي على قلق ميتافيزيقي عميق يتجلى في مواضع محددة.
أولاً: العلاقة مع الغياب. درويش مفتون بالغياب كمفهوم ميتافيزيقي. الغائب عنده ليس مجرد المنفي أو الميت، بل هو بُنية وجودية كاملة: الحاضر لا يكتمل إلا بالغائب الذي يسكنه. الوطن أجمل ما يكون حين يكون فقداناً. الحب أكثف ما يكون في لحظة الرحيل. هذه الديالكتيك بين الوجود والغياب يذكّرنا بمفهوم “الأثر” عند دريدا: المعنى لا يكمن في الحضور بل في أثر الغياب داخل الحضور. درويش يعيش هذه الفكرة شعرياً قبل أن يصوغها الفلاسفة نظرياً.
ثانياً: الزمان والذاكرة. ما يفعله درويش بالزمن في قصائده يستحق دراسة فلسفية مستقلة. الماضي عنده ليس انقضى، بل هو حيّ في نسيج الحاضر. الطفل الذي فرّ من البيرة عام 1948 ما زال يمشي في القصائد المكتوبة بعد نصف قرن. هذا الزمن المنكسر، الذي لا يسير بخطية منتظمة، يشبه ما سمّاه برغسون “الديمومة” (Durée): الزمن ليس خطاً متتابعاً بل تدفق حي تتداخل فيه اللحظات. لكن درويش يضيف بُعداً مأساوياً: الذاكرة ليست مجرد أداة معرفية، بل هي شكل من أشكال العدالة الوحيدة المتاحة حين تغيب العدالة الفعلية. أن تتذكر هو أن تقاوم محو الوجود.
ثالثاً: سؤال اللغة. يظل الأكثر ميتافيزيقية في شعر درويش هو علاقته باللغة ذاتها. يكتب في أحد مقاطعه: “اللغة وطني”. هذه الجملة ليست مجرد استعارة شاعرية؛ إنها إجابة فلسفية على سؤال: ما الذي يمكن أن يظل حين تُسلب كل شيء آخر؟ اللغة تصبح عنده الوطن البديل، الكيان الذي لا يقع تحت الاحتلال. لكنها أيضاً سجن: اللغة التي نرث معها تصوراً للعالم ومفاهيم بعينها ورؤية محددة. هذا السؤال حول اللغة بوصفها موطناً وحبساً في آنٍ واحد يلتقي مع هايدغر حين قال إن “اللغة هي بيت الوجود” — البيت الوحيد الذي يمكن للكائن أن يسكنه.
رابعاً: المقدس والمدنّس. درويش يكتب عن الأرض بصورة تتجاوز الوطنية لتبلغ حد الديني. الأرض ليست ملكية عقارية ولا حق قانوني فحسب، بل هي المقدس الأصلي — ما يمنح الوجود معناه وجوهره. هذا يذكّرنا بالفلسفة الظاهراتية لميرلو-بونتي عن الجسد والمكان: الإنسان لا يسكن في الأرض بل يتشكّل من خلال علاقته بها. اقتلاع الإنسان من أرضه هو، بهذا المعنى، تشويه أنطولوجي — إصابة في صميم الكيان لا في الامتلاك.
رابعاً: التشابك الثلاثي — لماذا الفصل وهم؟
بعد هذا التحليل، يبدو جلياً أن الفصل بين المستويات الثلاثة — السياسي والوجودي والميتافيزيقي — هو فصل تحليلي لا وجودي. في شعر درويش، هذه المستويات تتداخل وتتغذى بعضها من بعض في بنية معقدة يمكن وصفها بالآتي:
الألم السياسي يوفر الجرح الفعلي والمادة الخام — الطرد، المنفى، الاحتلال، الشهداء. لكن هذا الجرح، حين يمر عبر وعي شاعر استثنائي، يُصعَّد إلى مستوى وجودي: يصير الطرد من الأرض استعارة للرمي في العالم، وتصير الأرض المفقودة استعارة للوطن الأصلي الذي لم يكن البشر يملكونه يوماً في وجودهم العابر. ثم يُصعَّد مرة أخرى إلى المستوى الميتافيزيقي: تصير الذاكرة شكلاً من العدالة الكونية، ويصير الغياب بُنية وجودية كاملة، وتصير اللغة وطناً ميتافيزيقياً بديلاً عن الجغرافيا.
هذا التصعيد الثلاثي هو ما يجعل درويش عالمياً. لو كان شاعراً سياسياً خالصاً لظل محلياً، يُقرأ بتعاطف ثم يوضع على الرف. لكن لأنه يأخذ الألم السياسي ويحوّله إلى سؤال وجودي وميتافيزيقي، يصل إلى كل كائن بشري جرّب الفقد، واللجوء، وسؤال المعنى في مواجهة الموت.
خامساً: درويش في مواجهة الفلاسفة
لو أردنا أن نضع درويش في حوار مع تيارات الفلسفة الكبرى، لرأينا حواراً خصباً ومثيراً:
مع كامو: درويش يشارك كامو رفض العبث بالجمال، لا بإنكار العبث — فالأرض محتلة والعدالة غائبة والموت حقيقي — بل باختيار الحياة رغم ذلك. “تمرد” كامو الميتافيزيقي يجد صدى في “مقاومة” درويش، لكن درويش لا يكتفي بالرفض الفلسفي المجرد بل يُجسّده في رائحة الخبز وزهر اللوز وشعر المحبوبة.
مع نيتشه: الوجود المأساوي عند نيتشه يُعاش لا يُنكر. الإنسان الأعلى يحمل ثقل الوجود ويقول له “نعم” رغم كل شيء. درويش يختلف عن نيتشه في نقطة جوهرية: رفضه الاستفراد البطولي. ألمه جماعي دائماً، يحمل الـ”نحن” حتى حين يكتب بضمير الـ”أنا”. البطولة الفردية النيتشوية تذوب في لحظة تضامن إنسانية تكاد تكون أرسطية في طابعها.
مع سارتر: الوجود يسبق الماهية، الإنسان يختار نفسه. الفلسطيني في شعر درويش “اختار” نفسه حين رفض الاختفاء والنسيان، حين قرر أن يتذكر وأن يكتب وأن يقول “أنا هنا”. لكن درويش يضيف مأساة: ثمة شروط للاختيار لا يتحكم فيها الكائن، وهذه الشروط المفروضة قسراً تستدعي إعادة النظر في مفهوم “الحرية” السارترية.
مع ويتغنشتاين: “ما لا يمكن الكلام فيه يجب السكوت عنه”. درويش يرفض هذا الإملاء جذرياً. الشعر عنده هو اختراق حدود اللغة الممكنة، الوصول بالكلمة إلى ما يتجاوزها. القصيدة ليست تواصلاً بل تجاوزاً — وهذا ما يفسر لغته المكثفة التي تنفجر على الحدود.
سادساً: الألم بوصفه معرفة
تبقى فكرة أساسية لم نصرّح بها بعد، وهي ربما الأعمق في فلسفة الألم الدرويشية: الألم ليس عنده مجرد حالة سلبية يُتحمّل أو يُبكى عليه، بل هو طريق للمعرفة.
في التراث الفلسفي، ثمة مفهوم الـ Pathei mathos الذي صاغه أسخيلوس — التعلم عبر المعاناة. درويش يعيد إنتاج هذا المفهوم في سياق حديث: المنفى يعلّم الإنسان ما لا تعلّمه الإقامة المريحة، الفقد يكشف عن الجوهر ما يخفيه الامتلاك، الموت المحدق يُعرّي الوجود من زخرفه ليكشف عن جماله الخام.
لهذا يظل درويش مبهجاً رغم ثقله الكارثي. الألم عنده لا يُغلق العالم بل يفتحه — يجعل الورد أجمل حين تراه عين من فقدت كل شيء، والقصيدة أصدق حين تكتب بحبر الجرح، والحياة أثمن حين تكون على الحافة.
خاتمة: الألم الكلي
درويش ليس شاعراً سياسياً رغم الاحتلال، ولا شاعراً وجودياً رغم المنفى، ولا شاعراً ميتافيزيقياً رغم تأمله الموت. إنه كل هذا في آنٍ واحد، لأن الألم الذي يعيشه لا ينتمي لمستوى واحد من مستويات الوجود.
الألم الحقيقي — الألم الذي يهز الكيان في عمقه — ينشأ دائماً حين تتصادم مستويات الوجود الثلاثة: حين يُعاش الحدث السياسي كجرح وجودي ويُستشف منه سؤال ميتافيزيقي. هذا ما جعل ألم درويش كونياً: ليس لأن القضية الفلسطينية تخص الجميع بصورة مباشرة، بل لأنه يأخذ هذه القضية ويكشف من خلالها عن بنية الألم الإنساني في أعمق صورها.
قرأ درويش مرة قصيدة أمام جمهور عالمي فبكى الحاضرون وهم لا يعرفون العربية. لم يكونوا يبكون على فلسطين فحسب؛ كانوا يبكون على أنفسهم، على منافيهم الداخلية، على أوطانهم المفقودة داخل أرواحهم.
هذا هو سحر الألم الفلسفي الدرويشي: أنه يبدأ خاصاً جداً — طفل في بيرة الجليل — وينتهي كونياً عاماً — كائن بشري في مواجهة الغياب. وبين هذين الطرفين، يمتد الشعر كجسر لا تهدمه إلا القيامة.
“أحبك أو لا أحبك. بيني وبين الهوية مساحة روحي”— محمود درويش
