مقدمة: بين الفكرة والجرح
ثمة لحظات في التاريخ الإنساني تتحول فيها الأسئلة الكبرى من استفهامات معرفية باردة إلى صرخات وجودية ملتهبة. وثمة أزمنة يصبح فيها الموقف الفلسفي ليس خيارًا عقليًا محضًا، بل استجابة نفسية لألم لم يُحتوَ، ولجرح لم يُضمّد، ولخذلان تكرّر حتى استحال عقيدة سلبية. في هذا السياق، يغدو الإلحاد - في حالات كثيرة - أكثر من مجرد موقف ميتافيزيقي؛ إنه آلية دفاع نفسية، صرخة احتجاج على واقع متناقض، ومحاولة يائسة لاستعادة السيطرة على عالم داخلي محطّم.
هذا المقال ليس دفاعًا عن الإيمان ولا تبريرًا للإلحاد، بل محاولة لفهم الإنسان في لحظة أزمته الوجودية، حين يقف على حافة المعنى، ممزقًا بين ما تعلّمه وما عاشه، بين ما وُعد به وما واجهه.
الإلحاد بوصفه استجابة نفسية: ما وراء الجدل المعرفي
من المنظور الإكلينيكي النفسي، لا يُختزل الإلحاد دائمًا في نتيجة تأمل فلسفي هادئ أو قراءة موضوعية للأدلة الكونية. في كثير من الحالات، يظهر الإلحاد كاستجابة نفسية معقدة لتراكمات صادمة: خذلان متكرر من رموز دينية، تناقض صارخ بين الخطاب القيمي والممارسة الواقعية، صدمات وجودية لم تجد من يحتويها بلغة روحية مقنعة.
حين يُعلّم الطفل أن الله رحيم، ثم يرى القسوة تُمارس باسمه؛ حين يُقال له إن الدين أخلاق، ثم يشهد النفاق يتدثّر بالتقوى؛ حين يُوعد بالعدالة الإلهية، ثم يعيش الظلم يوميًا دون تدخّل سماوي ظاهر - في هذه اللحظات، لا يحدث جدل فلسفي بارد، بل تصدّع نفسي عميق. يصبح الإيمان - لا بوصفه حقيقة مجردة، بل بوصفه تجربة معاشة - مصدر ألم بدلًا من أن يكون مصدر طمأنينة.
وفقًا لنظريات علم النفس الدفاعي، يلجأ العقل البشري حين يواجه تهديدًا نفسيًا لا يستطيع دمجه في بنيته المعرفية إلى آليات دفاع متنوعة: الإنكار، الإسقاط، التبرير، التعميم. وفي حالة الصدمة الدينية - إن صح التعبير - قد يصبح الإلحاد شكلًا من أشكال الإنكار الشامل: إذا كان الاعتراف بوجود الله يعني الاعتراف بكل هذا الألم المرتبط بالتجربة الدينية المشوهة، فربما يكون إنكار الفكرة ذاتها أسهل نفسيًا من محاولة إعادة بنائها.
إن إنكار الفكرة هنا ليس بالضرورة رفضًا عقلانيًا لها، بل قد يكون محاولة للهروب من الألم المرتبط بها. الفكرة التي كانت يومًا ملاذًا تتحول - بسوء تمثيلها - إلى مصدر تهديد. وحين يعجز الإنسان عن الفصل بين المقدس والممارسة البشرية المشوهة له، يصبح الهدم الشامل مخرجًا نفسيًا يخفف وطأة الصراع الداخلي.
التشوهات المعرفية: عندما يفكر الجرح بدلًا من العقل
في العلاج المعرفي السلوكي، تُعرّف التشوهات المعرفية بأنها أنماط تفكير غير دقيقة تؤدي إلى رؤية مشوهة للواقع، وغالبًا ما تنشأ من تجارب صادمة أو مؤلمة. وفي سياق الأزمة الوجودية التي تقود إلى الإلحاد كرد فعل نفسي، نجد عدة تشوهات معرفية واضحة:
التعميم المفرط (Overgeneralization): تُسقط تجربة سلبية واحدة - أو حتى عدة تجارب - على منظومة كاملة. لأن رجل دين واحدًا كان منافقًا، يُستنتج أن الدين كله نفاق. لأن مجتمعًا دينيًا معينًا يمارس الظلم، يُعتبر الإيمان ذاته مصدرًا للظلم. هذا المنطق، رغم فهمنا لألمه، يشبه من يرفض الطب لأنه قابل طبيبًا مهملًا، أو يُنكر الحب لأنه عاش خيانة.
التفكير الثنائي (Black-and-White Thinking): لا يرى سوى خيارين متطرفين: إيمان أعمى كامل أو إلحاد صارم، دون الاعتراف بالمساحات الرمادية الواسعة بين اليقين المطلق والإنكار المطلق. هذا التفكير الثنائي يقسم العالم إلى معسكرين: مؤمنون منافقون وملحدون صادقون، دون الاعتراف بتعقيد التجربة الإنسانية وتنوعها.
الإسقاط النفسي (Projection): تُحمّل الأفكار المجردة والمقدسات أخطاء الممارسات البشرية. يحدث خلط دراماتيكي بين المبدأ وتطبيقه، بين النص والقارئ، بين السماوي والأرضي. حين يسقط النموذج البشري، يُعتبر ذلك دليلًا على سقوط القيمة ذاتها، كما لو أن خطأ المهندس دليل على خطأ قوانين الفيزياء.
الاستنتاج الانفعالي (Emotional Reasoning): "أشعر بالألم حين أفكر في الإيمان، إذن الإيمان خاطئ". الشعور هنا يُتخذ دليلًا على الحقيقة، والألم النفسي يُترجم إلى حكم وجودي. لكن الألم المرتبط بشيء لا يعني بالضرورة خطأ ذلك الشيء؛ قد يعني فقط أننا مررنا بتجربة مؤلمة معه.
هذه التشوهات ليست علامات ضعف عقلي، بل هي استجابات نفسية طبيعية للصدمة. العقل الجريح يفكر بطريقة مختلفة عن العقل المطمئن. والإنسان في لحظة الألم لا يبحث عن الدقة المنطقية، بل عن الخلاص النفسي.
الإلحاد وأزمة الهوية: البحث عن الذات خارج القالب
وفقًا لنظرية إريك إريكسون في النمو النفسي الاجتماعي، يمر الإنسان - خاصة في مرحلة المراهقة والشباب - بأزمة هوية حاسمة، يبحث فيها عن ذاته الحقيقية بعيدًا عن الهويات المفروضة أو الموروثة. في هذه المرحلة، يصبح التمرد على السلطة - بكل أشكالها: الأسرة، المجتمع، المؤسسة الدينية - جزءًا طبيعيًا من عملية البحث عن الاستقلال والأصالة.
في هذا السياق، قد يكون الإلحاد - في بعض الحالات - مرحلة احتجاج نفسي ومحاولة لاستعادة السيطرة على الذات. إنه قول "لا" كبيرة في وجه عالم يبدو أنه لم يترك له مساحة لقول "نعم" الخاصة به. إنه رفض للتلقين، للتبعية العمياء، للإيمان الموروث الذي لم يُعش بل فُرض.
من هذا المنظور، ليس الإلحاد دائمًا موقفًا نهائيًا مستقرًا، بل قد يكون مرحلة في رحلة البحث عن معنى أصيل، محاولة للتحرر من الإيمان المزيف كي يصبح الإيمان الحقيقي - أو اللاإيمان الصادق - ممكنًا. كما يقول الفيلسوف الوجودي سورين كيركغور: "الإيمان الحقيقي لا يبدأ إلا بعد الشك، لأن الشك هو الذي يحوّل الاعتقاد من وراثة إلى اختيار".
المشكلة تكمن حين نتعامل مع هذه المرحلة كخيانة أو كفر يستوجب العقاب، بدلًا من أن نراها كأزمة نمو تحتاج إلى احتواء وحوار. حين نُقابل السؤال بالتهديد، والشك بالإدانة، نحوّل أزمة الهوية المؤقتة إلى موقف دائم دفاعي.
ما وراء الإلحاد: القلق الوجودي المعاصر
ليس الإلحاد المعاصر - خاصة في سياقاتنا العربية - مجرد استجابة لنظريات داروين أو قراءات في فلسفة نيتشه. إنه، في جوهره، استجابة لأزمة معنى عميقة، لقلق وجودي حقيقي يعيشه الإنسان المعاصر:
قلق المعنى: في عالم متسارع، تقني، استهلاكي، يصعب العثور على المعنى. والخطاب الديني التقليدي، بجموده وانفصاله عن الواقع المعيش، يفشل غالبًا في تقديم إجابات مقنعة للأسئلة الوجودية المعاصرة.
الإحباط من النفاق: الفجوة الهائلة بين الخطاب الديني المثالي والممارسة الواقعية المنافقة تخلق إحباطًا هائلًا. حين يرى الإنسان التدين يُستخدم كقناع للطمع، والورع كأداة للسلطة، والأخلاق كسلاح انتقائي، يفقد الثقة في المنظومة كلها.
الغضب من السلطة: الإيمان، في كثير من السياقات، ارتبط بالسلطة القمعية، بالأبوية الخانقة، بالمنع والتحريم والتكفير. وحين يصبح الدين أداة سيطرة بدلًا من أن يكون مصدر حرية روحية، يتحول الإلحاد إلى موقف تحرري.
الشعور بالوحدة الوجودية: في عالم مجزّأ، مغترب، يشعر فيه الإنسان بأنه رقم في نظام لا يعبأ به، يصبح السؤال: "هل من أحد يسمع؟ هل من معنى لهذا كله؟" وحين لا يجد إجابة مطمئنة، يختار بعضهم الإنكار على أنه أقل ألمًا من الإيمان بإله صامت.
نحو فهم علاجي: الطريق إلى المعنى
إذا كان الإلحاد، في كثير من حالاته، استجابة نفسية لجرح لم يُعالج، فإن المواجهة العقابية أو الإدانة الأخلاقية لن تؤدي إلا إلى تعميق الجرح. الإنسان الجريح لا يحتاج إلى خطبة، بل إلى ضمادة؛ لا يحتاج إلى حجة منطقية، بل إلى احتواء إنساني.
الفهم بدلًا من الإدانة: أن نفهم أن وراء كل موقف إلحادي قد تكمن قصة ألم، تجربة خذلان، سؤال لم يُجب عليه برحمة. حين نستمع للقصة بدلًا من أن نحكم على الموقف، نفتح مساحة للشفاء.
إعادة بناء الثقة: إن الثقة المحطمة - في الله، في الدين، في الإيمان - لا تُعاد ببرهان منطقي، بل بشهادة معاشة. حين يرى الإنسان الجريح نماذج حقيقية تعيش الإيمان كحب لا كسلطة، كحرية لا كقيد، كرحمة لا كتهديد، قد يعيد النظر في موقفه.
الحوار الحقيقي: لا الحوار الذي يهدف إلى إقناع الآخر أو "إرجاعه" إلى الإيمان، بل الحوار الذي يبحث عن الحقيقة معًا، الذي يعترف بشرعية الأسئلة، الذي لا يخاف من الشك لأنه واثق من أن الحقيقة لا تخشى السؤال.
السماح بالمساحات الرمادية: الاعتراف بأن الإيمان ليس حالة واحدة، بأن الشك ليس كفرًا، بأن الرحلة الروحية ليست خطًا مستقيمًا بل مسار متعرج فيه صعود وهبوط، يقين وشك، قرب وبعد. السماح للإنسان أن يكون إنسانًا، بتناقضاته وأسئلته وأزماته.
خاتمة: حين تصرخ الروح
الإنسان لا يعيش بالأفكار المجردة وحدها، ولا بالقواعد الجافة، ولا بالطقوس الفارغة. الإنسان يعيش بالمشاعر، بالعلاقات، بالمعنى، بالروح. وحين تنطفئ المشاعر، وتتحطم العلاقات، ويغيب المعنى، وتخبو الروح، يصرخ العقل بما يستطيع. أحيانًا تكون الصرخة سؤالًا، وأحيانًا تكون إنكارًا.
الإلحاد - حين يُفهم من هذا المنظور - ليس عدوًا يُحارب، بل جرحًا يُضمّد، وصرخة تحتاج إلى من يسمعها بتعاطف. إنه دعوة لنا جميعًا - مؤمنين ومجتمعات دينية - لنعيد النظر في كيفية تمثيلنا للقيم التي نؤمن بها، في طريقة تعاملنا مع الأسئلة الصعبة، في قدرتنا على احتواء الألم الإنساني دون إدانة أو تهديد.
في النهاية، لا الإيمان يُفرض بالقوة، ولا الإلحاد يُعالج بالعقاب. كلاهما يتطلب رحلة داخلية، حرية حقيقية، وبيئة نفسية آمنة تسمح بالبحث الصادق عن الحقيقة. والحقيقة - أيًا كانت - لا تخشى السؤال، ولا تهرب من الشك، ولا تحتاج إلى التهديد لتثبت نفسها.
ربما ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من الجدل اللاهوتي أو الفلسفي، بل المزيد من التعاطف الإنساني، المزيد من الاستماع الحقيقي، المزيد من الشجاعة للاعتراف بأن الطريق إلى المعنى ليس واحدًا، وأن الرحلة الروحية لكل إنسان تستحق الاحترام، حتى لو لم نفهمها، حتى لو اختلفنا معها.
فالإنسان، في نهاية المطاف، أكبر من أي موقف فلسفي، وأعمق من أي تصنيف عقائدي. والروح الإنسانية - بأسئلتها وأزماتها وصرخاتها - تستحق منا أكثر من الإدانة أو الإقصاء. تستحق الفهم، الرحمة، والحب.
