مساحة بواسطة: محمد عبد الفتاح
    

الملاذ الوهمي: كيف تُحوِّلُ مخاوفنا الوجودية الحلول الفردية إلى تخديرٍ جماعي؟


مدخل: القلق الوجودي وجذور الخوف الإنساني

يُخبرنا علم النفس الوجودي أن ثمة أربعة مخاوف أساسية تكمن في أعماق التجربة البشرية، وأن كل ما نعانيه من قلقٍ يومي إنما هو تجلٍّ سطحي لهذه المخاوف الجوهرية. إنها ليست مخاوف عابرة يمكن تجاوزها بحلول تقنية أو استهلاكية، بل هي شروط وجودنا ذاته، وعلامات وعينا بمحدوديتنا كبشر.

الخوف الأول: رُهاب الفناء

أول هذه المخاوف وأعمقها هو الخوف من الموت، ذلك الرعب البدائي من الاختفاء التام، من أن نكون ثم لا نكون. هذا الخوف لا يظهر دائمًا في صورته المباشرة، بل يتخفّى في أقنعة متعددة: في هوسنا بمنتجات مكافحة الشيخوخة، في قلقنا المَرَضي من تفويت الفرص (FOMO)، في محاولاتنا اليائسة لإنجاز "شيء يبقى بعدنا" قبل أن يدركنا الأجل المحتوم.

الموت ليس مجرد حدث مستقبلي نخشاه، بل هو حقيقة حاضرة تُلقي بظلالها على كل لحظة من لحظات حياتنا، وتُلوِّن كل اختياراتنا بصبغة الاستعجال والقلق.

الخوف الثاني: القلق من العبثية

الخوف من الخواء أو فقدان المعنى ليس مجرد الشعور بالتعاسة، بل هو أمر أكثر إيلامًا: إنه الشك المُدمِّر في أن كل ما نكدح من أجله قد يكون في نهاية المطاف بلا قيمة حقيقية، أن حياتنا برمّتها قد تكون مجرد حركة عبثية في كون لا مبالٍ.

في سياقنا الثقافي، يتجلى هذا الخوف بوضوح في ظاهرة الآباء الذين يحوّلون أبناءهم إلى "مشروع حياة" وحيد. حين يصبح نجاح الابن هو المصدر الوحيد لإحساس الوالدين بالقيمة والمعنى، فإن فشله لا يعني فشله الشخصي فحسب، بل يعني انهيار المعنى الكلي لحياة الوالدين، ويُحوِّل عقودًا من التضحيات إلى جهد ضائع في الفراغ.

الخوف الثالث: رُهاب الوحدة الأنطولوجية

الخوف من العزلة هو الإدراك المؤلم بأننا، رغم كل العلاقات والروابط، نبقى في جوهرنا منفصلين، وحيدين في تجربتنا الذاتية. لا أحد يستطيع أن يعيش حياتنا نيابة عنا، أو أن يشعر بما نشعر به فعلاً، أو أن يموت موتنا.

هذا الخوف الوجودي يدفعنا للتمسك بعلاقات مؤذية خوفًا من مواجهة وحدتنا، ويدفع آخرين للانعزال في "مجتمعات مُصطنَعة" مثل المجمعات السكنية المُغلقة، ليس بحثًا عن الأمان المادي فقط، بل هربًا من الغربة الوجودية وسط مجتمع كبير ومختلف.

الخوف الرابع: قلق الحرية والمسؤولية

هذا ربما أخطر المخاوف الأربعة، لأن الحرية الكاملة تعني مسؤولية كاملة، وهذا عبء ثقيل على النفس البشرية. أن تكون حرًّا يعني أنك مسؤول تمامًا عن اختياراتك، وأن فشلك لا يمكن إلقاء اللوم فيه على أحد سواك.

نرى هذا الخوف في تردُّدنا الطويل قبل اتخاذ القرارات المصيرية، في تفضيلنا أن يقرر الآخرون عنا، في انسياقنا خلف "التيار السائد" لنتجنب عبء التفرد والمسؤولية الفردية.

الوهم الحداثي: الحلول الفردية كملاذ كاذب

حين نفهم هذه المخاوف الوجودية الأربعة، نبدأ في إدراك أن ما نُسميه "حلولاً" ليست في حقيقتها إلا أشكالاً من الهروب، ملاذات وهمية تمنحنا إحساسًا زائفًا بالسيطرة والأمان، دون أن تعالج المشكلة الجوهرية.

خذ مثلاً فلتر المياه المنزلي: يمنحك إحساسًا بأنك "حميت نفسك" من التلوث، لكنه لا يحميك من المعادن الثقيلة المتسربة من الأنابيب القديمة، ولا من الملوثات الكيميائية الصناعية التي تخترق أنظمة الترشيح. وشراء المنتجات "العضوية" قد يقلل تعرضك لبعض المبيدات، لكنه لا يحميك من تلوث الهواء والتربة الذي وصل إلى المزرعة نفسها.

هذه الحلول الفردية تعالج العَرَض لا المرض، تمنحك الراحة النفسية لا الأمان الفعلي. إنها كالمُسكِّن الذي يُخفي الألم دون أن يشفي الجرح.

التخدير الجماعي: حين يصبح الخلاص الفردي عائقًا جماعيًا

الخطر الأكبر في هذه الحلول الوهمية ليس عدم فاعليتها فحسب، بل في أثرها التخديري على الوعي الجماعي. حين تشتري زجاجة ماء "نظيف" أو تنتقل للعيش في مجمع "آمن"، تشعر بأنك "أنقذت نفسك"، وهذا الشعور يُخمد فيك الدافع للتفكير في تحسين الوضع العام.

النتيجة كارثية على المستوى المجتمعي: يتحول النقاش العام من “كيف نوفر مياه شرب نظيفة للجميع؟” إلى “أي نوع من الفلاتر أفضل؟ ذو الخمس مراحل أم السبع؟" ومن “كيف نبني مجتمعًا آمنًا؟" إلى "أي كمبوند أكثر حراسة؟"

هكذا تتحول الأزمات المجتمعية إلى "فرص سوقية"، وتُستبدل السياسة بالاستهلاك، ويصبح الخلاص الفردي بديلاً عن التغيير الجماعي.

خاتمة: نحو وعي جديد

لا يعني هذا التحليل أننا يجب أن نتخلى عن الحلول الفردية تمامًا، بل أن نُدرك حدودها وأن لا ننخدع بوهم الأمان الذي تقدمه. الوعي بمخاوفنا الوجودية الأربع يجب أن يقودنا إلى فهم أن خلاصنا الحقيقي ليس فرديًا بل جماعيًا، وأن أمننا الشخصي مرتبط ارتباطًا عضويًا بأمن المجتمع الذي نعيش فيه.

ربما يكون الدرس الأهم هو أن نقاوم إغراء "التخدير"، أن نحافظ على قلقنا الخلاق، ذلك القلق الذي يدفعنا نحو التغيير الحقيقي بدلاً من الهروب إلى الملاذات الوهمية.
أحدث أقدم