لماذا نخشى ما لم نعرفه بعد؟
ثمة شيء ما في الإنسان يميل دائمًا نحو المألوف. لا تحتاج أن تكون فيلسوفًا لتلاحظ ذلك في نفسك؛ يكفي أن تنتبه إلى الكرسي الذي تجلس عليه دائمًا في المقهى، أو الطريق الذي تسلكه كل يوم إلى العمل وإن كان ثمة طريق أقصر، أو الأغنية التي تعود إليها حين تشعر بالتعب. نحن نبني لأنفسنا عوالم صغيرة مألوفة، ثم نسكنها كأنها الحقيقة الوحيدة الممكنة.
لكن ما الذي يجعل الاعتياد مريحًا إلى هذا الحد؟
الإجابة في جوهرها بسيطة: الاعتياد يُلغي الخوف من المجهول. حين تفعل شيئًا مرارًا، يتوقف عقلك عن استهلاك الطاقة في التساؤل عن نتيجته. الأمر المألوف لا يفاجئك، ولا يُخيّب ظنك بطريقة لم تتوقعها. هو عقدٌ صامت بينك وبين الحياة: أنتَ تعرف ما ستحصل عليه، وهي تعرف ما ستُعطيه. وفي هذا اليقين الهادئ تكمن راحةٌ لا يستهان بها.
يقول الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار إن الإنسان كائن "يسكن"، بمعنى أنه لا يكتفي بالوجود في مكان، بل يحتاج أن يشعر أن المكان ينتمي إليه، أن الأشياء من حوله تعرفه. وحين نُوسّع هذه الفكرة خارج المكان إلى العادات والروتين والعلاقات، نفهم لماذا يشعر الإنسان بقلق غريب حين يتغيّر شيء اعتاد عليه، حتى لو كان ذلك الشيء لا يخدمه.
غير أن الاعتياد له وجه آخر لا يُقال عنه كثيرًا.
الاعتياد لا يحميك فحسب، بل يُخدّرك أيضًا. يجعلك تتوقف عن الشعور بما تفعله. كم مرة وجدتَ نفسك في منتصف الطريق إلى العمل دون أن تتذكر كيف وصلتَ إلى هنا؟ كم مرة أنهيتَ يومًا كاملًا دون أن يحمل لك ذلك اليوم شيئًا يستحق التذكر؟ هذا هو ثمن الاعتياد: أنت تشعر بالأمان، لكنك في الوقت ذاته تتوقف عن الحضور الحقيقي في حياتك.
الفيلسوف هايدغر كان يسمي هذه الحالة "السقوط"، أي ذلك الانجراف اليومي في تيار الروتين والمألوف، حيث يعيش الإنسان لكنه لا يختار حياته بوعي. وكان يرى أن الإنسان يهرب إلى هذا الانجراف هربًا من مواجهة سؤال أعمق وأثقل: ماذا أريد أن أكون حقًا؟
وهنا يدخل الخوف من التجديد.
التجديد ليس مجرد تغيير في الشكل؛ إنه في جوهره دعوة للمواجهة. حين تغيّر عادة قديمة، أو تنهي علاقة راسخة، أو تجرّب طريقًا مختلفًا، أنت لا تغيّر فعلًا فحسب، بل تكشف لنفسك أنك قادر على الاختيار، وهذا بحد ذاته مُقلق. لأن الإنسان الذي يعرف أنه يستطيع الاختيار لا يملك بعد ذلك عذرًا مريحًا لبقائه حيث هو.
الاعتياد يمنحنا شيئًا ثمينًا بالسر: عذرًا جاهزًا. "هكذا اعتدتُ"، "لا أعرف غير هذا"، "الأمور تسير بشكل طبيعي". هذه الجمل ليست وصفًا للواقع بقدر ما هي دروع نرتديها حتى لا نُضطر إلى السؤال. والخوف من التجديد في الغالب ليس خوفًا من الفشل، بل خوف من النجاح أيضًا، أو بالأحرى: خوف من اكتشاف ما نحن قادرون عليه فعلًا.
لكن دعنا نكن منصفين.
ليس كل اعتياد خوفٌ في ثياب عادة. بعض الاعتياد حكمة مُتراكمة. الفيلسوف أرسطو بنى جزءًا كبيرًا من أخلاقه على فكرة أن الفضيلة في جوهرها "عادة حسنة"، أي سلوك يُكرّره الإنسان حتى يصبح جزءًا من طبعه. الإنسان الذي اعتاد الصدق لا يفكر في كل مرة هل يصدق أم لا، هو يصدق ببساطة لأن ذلك صار هو. وفي هذا المعنى، الاعتياد ليس عدوًا للحرية، بل قد يكون من أعمق تجلياتها.
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل أتغير أم أبقى؟ بل: هل اخترتُ ما اعتدتُ عليه، أم فقط انتهيتُ إليه دون أن أقرر؟
الإنسان كائن في منتصف الطريق دائمًا. بين الأليف الذي يمنحه الاستقرار، والجديد الذي يمنحه الحياة. وأظن أن الحكمة ليست في الاختيار بين الاثنين، بل في أن تكون واعيًا بما تختار، وأن تعرف متى يصبح الأمان سجنًا، ومتى يصبح التغيير هروبًا لا شجاعة.
ربما أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يحمل عاداته بخفة، كمن يسكن بيتًا يعرف أنه قادر على مغادرته في أي لحظة، فتلك المعرفة وحدها تجعل إقامته فيه اختيارًا لا قضاء.
