في مديح اللايقين

كيف نحب دون أن ننتظر؟


أولًا: السؤال الذي لا يهدأ

ثمة سؤال يعود إلينا دائمًا، في لحظات الصمت وفي منتصف الضجيج، في تلك المساحة الرقيقة بين النوم واليقظة حين تكون الحراسة الداخلية في أضعف حالاتها. سؤال يلبس أشكالًا شتى لكنه في جوهره واحد، موحد، عنيد: هل نحن قادرون على أن نكون سعداء دون أن يُكمِلنا أحد؟

لا أعرف متى بالضبط بدأ الحب الرومانسي يحتل هذه المكانة المركزية في تعريفنا لأنفسنا. ربما كان ذلك منذ الأزل، مكتوبًا في طبيعتنا البيولوجية كحيوانات اجتماعية تحتاج إلى الانتماء. أو ربما هو صنيع الحداثة وما رافقها من أدب عاطفي وسينما ورومانسية مُصنَّعة تعدنا بأن في مكان ما، خلف التعب اليومي وركام الأيام العادية، ينتظرنا شخص سيجعل كل شيء منطقيًا.

الحب، بوصفه مشروعًا وجوديًا لا مجرد عاطفة عابرة، يسكن المركز من حياتنا المعاصرة. نبني حوله توقعاتنا، ونعلق عليه تعريفنا لأنفسنا، ونجعله المقياس الصامت الذي نقيس به نجاحنا أو فشلنا كبشر. نظن — أو ربما نتمنى — أن في مكان ما يوجد من يُسكت ذلك القلق العميم الذي يسكننا، ذلك الضجيج الخافت الذي لا يتوقف حتى حين يبدو كل شيء على ما يرام. لكن الفلسفة، تلك الصديقة القاسية التي لا تُجامل، تنظر إلينا وتسأل بهدوء مزعج: وماذا لو كان الانتظار نفسه هو الجرح؟

ثانيًا: الأمل الذي يقيّد

يقول شوبنهاور إن الأمل ليس دائمًا نعمة. الأمل المتشبث، الأمل الذي يشترط شكلًا بعينه للفرح ويرفض كل ما عداه، هو ضرب من ضروب العبودية الناعمة. نحن لا نشعر بقيوده لأنها مصنوعة من مادة ناعمة وشفافة تشبه الأحلام، لكنها قيود من أي حال. فحين نُعلق سعادتنا على حدث لم يقع بعد — على شخص لم يأتِ، على لحظة لم تتشكل — نمنح المستقبل المجهول سلطةً مطلقة على حاضرنا الحي.

التحرر من هذا النوع من الأمل ليس استسلامًا ولا زهدًا ولا دعوة إلى العدمية. هو، بدقة أكبر، فعل الشجاعة الأصعب والأكثر إرهاقًا: أن تعيش اللحظة دون أن تجعلها رهينة ما لم يأتِ بعد. أن تقول للحياة: "ما لديّ الآن كافٍ لأبدأ"، لا "سأبدأ حين يكتمل ما ينقصني".

الفيلسوف الرواقي إبكتيتوس، الذي عاش عبدًا قبل أن يصبح معلمًا، كان يُفرق دائمًا بين ما في أيدينا وما ليس في أيدينا. الحب الذي يأتي من الآخر ليس في يدنا. أما الطريقة التي نعيش بها، والمعنى الذي نصنعه لأنفسنا، والرعاية التي نمنحها لأرواحنا — فتلك، وتلك وحدها، تقع في دائرة ما نملكه حقًا. الحرية ليست في الحصول على ما نريد، بل في ألا تستطيع الرغبة غير المُلباة أن تسجننا.

وهذا لا يعني ألا نرغب. نعم، نرغب. نعم، نحن بشر وللوحدة وطأتها وثقلها ولسعتها في ليالٍ بعينها. لكن الرغبة المتحررة من اليأين — من يأس "لن أجد" ومن يأس "لن أكتفي" — هي رغبة صحية، رغبة مفتوحة تدعوك للحياة لا تُقيدك في صالة الانتظار.

ثالثًا: هيرايامات العالم الصامتون

الحياة مليئة بهيرايامات لا نراهم، أو نراهم ولا ننتبه إليهم لأن نجاحهم لا يُصوَّر كثيرًا في الأفلام ولا يُكتب عنه في روايات الحب الكبرى. أولئك الذين اختاروا — أو ربما اضطروا، والفرق بينهما أحيانًا أقل مما نظن — أن يبنوا عالمهم من الداخل إلى الخارج لا من الخارج إلى الداخل.

يصحو الواحد منهم فجرًا. يُؤدي عمله. يرى في ضوء الشمس وهو يسقط على الأشجار في منتصف النهار شيئًا يستحق التوقف عنده. يقرأ في المساء. يُعيد تشغيل الأغنية التي أحبها قبل عشر سنوات ويجد فيها معنى جديدًا لم يكن قادرًا على رؤيته من قبل. ليس لأنه غير محتاج إلى أحد، ليس لأن قلبه مصنوع من حجر، بل لأنه تعلم — في لحظة صعبة ما، في مكان ما من مساره — ألا يجعل احتياجه سجنًا ولا يجعل غياب الآخر دليلًا على نقصٍ فيه.

في هذا النوع من الوجود حكمة لا تعلمنا إياها قصص الحب الكبرى. لأن قصص الحب الكبرى تبدأ دائمًا بالبحث وتنتهي بالعثور، وما بينهما هو الدراما. لكنها لا تحكي الجزء الأكثر عمقًا وصدقًا: كيف تعيش حياة ذات معنى في الفراغ الموجود بين قصتين، أو بعد آخر قصة، أو ربما قبل أن تبدأ أي قصة على الإطلاق.

هيرايامات العالم لا يتحدثون كثيرًا. يستمعون. ويبدو على وجوههم ذلك التصالح الهادئ مع الأشياء كما هي، لا كما يجب أن تكون. وهذا التصالح لا يأتي بسهولة ولا يكون مجانيًا في الغالب. هو ثمرة صراع طويل مع النفس، صراع لا يراه أحد لأنه يدور في الداخل، في تلك الغرفة المغلقة التي لا يدخلها سوى الشخص وظله.

رابعًا: طريقة التفكير هي الشيء نفسه

المفكر المغربي سعيد ناشيد يلفت انتباهنا إلى شيء جوهري نميل إلى تجاهله في خضم بحثنا عن الحلول الجاهزة: المسألة في جوهرها ليست في الأشياء ذاتها، بل في الطريقة التي نفكر بها فيها. أي أن المشكلة نادرًا ما تكون في الواقع الخارجي وحده، بل في الإطار المفاهيمي الذي نضع فيه ذلك الواقع ونفسره من خلاله.

حين نفكر في الحب على أنه "شيء مفقود ينبغي إيجاده"، نضع أنفسنا في موقع العجز والنقص. ننظر إلى حياتنا كلوحة ناقصة تنتظر اللمسة الأخيرة كي تكتمل. وفي هذا الإطار، كل يوم يمر دون أن "يُكمَل" الناقص هو يوم ضائع بشكل ما، أو على أقل تقدير يوم ليس في أتمّ صورته.

لكن ماذا لو أعدنا الإطار من أساسه؟ ماذا لو نظرنا إلى الحياة كلوحة كاملة في كل لحظة من لحظاتها، تتغير وتتطور وتضيف لكنها لا "تنقص" حين يغيب شخص ما؟ هذا ليس إنكارًا للحاجة إلى الآخر، بل هو رفض لجعل تلك الحاجة سلطة كاملة على تقييمنا لذواتنا ولحياتنا.

السؤال الحقيقي، إذن، ليس "هل وجدتُ الحب؟" بل "ماذا أعني حين أقول إنني أبحث عنه؟ وهل ما أبحث عنه في الخارج ليس في حقيقته حاجة داخلية تنتظر الاعتراف بها؟" كثير مما نسميه بحثًا عن الحب هو في الواقع بحث عن الاعتراف، عن التحقق، عن شخص يُقرّ بوجودنا ويعطيه قيمة. وهذا بحث مشروع وإنساني تمامًا، لكنه إذا وُجِد من الخارج وحده صار هشًا وعُرضة للانهيار مع أول غياب.

خامسًا: إعادة صياغة السؤال كفعل فلسفي

إعادة صياغة السؤال فعل فلسفي بامتياز. وهو أيضًا فعل شجاعة لأنه يعني أننا قررنا أن نأخذ المسؤولية عن الطريقة التي نفكر بها بدلًا من أن ننتظر أن تتغير الظروف من حولنا.

حين نحول "ماذا لو وجدتُ الحب؟" إلى "ماذا لو لم أجده؟"، لا نُعدم الأمل، بل نُفككه من قيوده ونمنحه مساحة أرحب. نبدأ في تخيل حياة كاملة لا حياة في انتظار اكتمالها. وهذا التخيل، حين يكون صادقًا ومعمقًا، لا ينتهي بالإحباط بل ببدايات جديدة.

والتخيل هنا ليس هروبًا من الواقع، بل استعداد له. أن تتخيل نفسك بعد عشرين عامًا وحيدًا وتسأل بصدق: ما الذي يجعل تلك الصورة قابلة للاحتمال؟ بل أكثر من ذلك: ما الذي يجعلها جميلة؟ صباح هادئ تشرب فيه قهوتك دون أن تُفسر صمتك لأحد، مكتبة صغيرة تضم كل الكتب التي أحببتها وتلك التي لم تقرأها بعد، شبابيك مفتوحة على شارع حيوي أو على حديقة خضراء، حرية في تقرير كيف تقضي مساءك دون تفاوض أو تنازل.

لا يهم الشكل التفصيلي بقدر ما يهم الروح التي تقف خلف ذلك التخيل: أنت من بنى ذلك الشكل لنفسه، بيديه، دون انتظار. وهذا البناء، حين يصبح فعلًا حقيقيًا لا مجرد خيال، يخلق ما يمكن تسميته بـ"الأرضية الوجودية": أساس ثابت تقف عليه لا يتزعزع بحضور شخص ما أو غيابه.

سادسًا: الحب الذي لا يُكتب عنه

ليس معنى هذا كله أن الحب الرومانسي وهم أو ترفٌ يمكن الاستغناء عنه. الحب الرومانسي حقيقي ومُقلق ومُدهش وصعب وضروري أحيانًا. هو أحد أكثر التجارب البشرية كثافةً وتعقيدًا، وحين يكون صادقًا ومتبادلًا فهو واحدة من أجمل الهبات التي يمكن للحياة أن تُقدمها.

لكنه ليس البوابة الوحيدة للنعمة. وهذا ما لا يُقال بما يكفي.

ثمة حب آخر، أقل بريقًا وأكثر صمودًا، لا يعتمد في وجوده على استمرار وجود طرف آخر. حب الإنسان لإيقاع يومه حين يكون إيقاعًا اختاره هو. لضوء يسقط على جدار في وقت بعينه من بعد الظهر، ضوء لا يراه أحد سواك لأنك أنت من اتخذ القرار بأن يكون ذلك الجدار جدارك. لكتاب تُعيد قراءته في موسم مختلف فتجد فيه شخصًا مختلفًا — أو بالأحرى تجد فيه نفسك كما صرت لا كما كنت. لصداقة قديمة يكفيها أن تعرف أن الآخر موجود في مكان ما في العالم، دون أن تحتاج كل يوم إلى تأكيد ذلك.

هذا الحب الهادئ، الذي لا رواية تحكيه ولا فيلم يصوّر صعوده ونموه وتعمّقه، هو ربما أكثر أنواع الحب استقرارًا. لأنه لا يخذلك. لأنه منك وفيك وأنت مصدره ومستودعه في آنٍ واحد.

الفيلسوف اليوناني أرسطو كان يُفرق بين أنواع ثلاثة من الحب أو الصداقة: حب المنفعة، وحب المتعة، وحب الفضيلة. النوع الثالث — وهو الأرقى عنده — هو الذي يقوم على إعجاب كل طرف بشخصية الآخر وقيمه ورؤيته للعالم. لكن ما لم يقله أرسطو بوضوح، أو ما أغفلته الفلسفة الغربية في أغلب أحيانها، هو أن هذا النوع من الحب يمكن أن يكون علاقتك بنفسك أيضًا. أن تُعجب بنفسك لا بالمعنى النرجسي الضيق، بل بالمعنى العميق: أن ترى في نفسك شخصًا يستحق الرفقة.

سابعًا: اللطف الداخلي كفلسفة للحياة

الابتسامة التي نمنحها لأنفسنا — تلك الرعاية الداخلية الهادئة التي نمارسها حين لا يرانا أحد وحين لا يُكافئنا أحد عليها — هي ربما أصدق صور الحب وأبقاها عبر الزمن. لأنها لا تشترط مقابلًا، ولا تبني قيمتها على بقاء شخص آخر أو استمرار مشاعره، ولا تنهار حين يتغير الآخر أو يغيب.

نحن نتعلم في الغالب أن نكون طيبين مع الآخرين، أن نُقدّم لهم الدعم والمساندة والمساحة للخطأ. لكننا نادرًا ما نُطبق على أنفسنا الرعاية ذاتها التي نُقدمها بسهولة لمن نحب. نكون أكثر صرامة مع أنفسنا، وأقل صبرًا، وأكثر ميلًا للحكم على كل خطوة وكل خيار وكل لحظة لم نكن فيها على قدر ما تخيلناه لأنفسنا.

هذا ما يعنيه اللطف الداخلي كممارسة فلسفية يومية: ليس غفران نفسك عن كل شيء، ولا إغلاق عينيك عن أخطائك، بل منح نفسك الرعاية الواقعية التي تحتاجها لتستمر، تنمو، وتكون حاضرًا في حياتك بالكامل لا نصف حضور في انتظار حضور آخر يُكمله.

التداوي بالفلسفة — على حد تعبير سعيد ناشيد — ليس ترفًا فكريًا للمثقفين وأهل الدراسة. هو فعل يومي متاح لكل من قرر أن يسأل نفسه: "كيف أريد أن أعيش؟ وهل طريقة تفكيري الحالية تخدم هذه الإرادة أم تُعيق تحقيقها؟"

ختامًا: في مديح اللايقين

أدرب نفسي على هذا. ليس كل يوم وليس بنجاح كامل، لأن اللايقين مخيف فعلًا، والوحدة لها أوقاتها الصعبة فعلًا، ومشاهدة الآخرين يبنون حياتهم بجانب شخص آخر تحمل أحيانًا وطأتها الخاصة. لكنني أدرب نفسي على ألا أجعل من غياب اليقين سببًا لتعليق الحياة.

أدرب نفسي على ألا أخذل نفسي قبل أن أطلب ذلك من الآخرين. على أن أُعطي نفسي الرعاية التي كنت دائمًا أعزوها لمن سيأتي ذات يوم ليُكمل الصورة. على أن أرى الحياة الكاملة التي أحياها الآن كمكان يستحق الإقامة فيه، لا كمحطة مؤقتة ريثما يتغير شيء ما.

اللايقين مزعج. لكنه أيضًا نوع من الحرية. حين لا تعرف ما الذي سيأتي، تبقى كل الاحتمالات ممكنة، بما فيها الاحتمالات الجميلة التي لم تخطر على بالك بعد.

والحب — كل أنواع الحب — ليس وجهة نصل إليها حين نستحق أو حين نكون جاهزين. هو طريقة في النظر. تلك المساحة التي نراها ونخلقها كل يوم لأنفسنا أولًا، ثم لكل من يسير بجانبنا مدةً أو مسافة. هو تلك الابتسامة السمحة التي نمنحها لذواتنا في المرآة، لا لأننا وصلنا، بل لأننا ما زلنا نمشي.

ولعل الحكمة الأخيرة الحقيقية ليست في إيجاد الحب، بل في إدراك أننا لم نكن في يوم ما خاليين منه تمامًا. كان فينا طوال الوقت، ينتظر فقط أن نُقرّ بوجوده.

أحدث أقدم